عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
163
اللباب في علوم الكتاب
وأخلدوا إلى التّقليد ، وقالوا : « بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا » - ضرب لهم هذا المثل ؛ تنبيها للسّامعين لهم : أنهم إنما وقعوا فيه ؛ بسبب ترك الإصغاء ، وقلة الاهتمام بالدّين ، فصيرهم من هذا الوجه بمنزلة الأنعام ، وضرب مثل هذا المثل يزيد السّامع اجتهادا في معرفة أحوال نفسه ، ويحقّر إلى الكافر نفسه ، إذا سمع ذلك ، فيكون كسرا لقلبه ، وتضييقا لصدره ؛ حيث صيّره كالبهيمة ، فكان ذلك في نهاية الرّدع والزّجر لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقة التقليد . وقد اختلف النّاس في هذه الآية اختلافا كثيرا ، ولا سبيل إلى معرفة الإعراب إلّا بعد معرفة المعنى المذكور في الآية الكريمة ، وقد اختلفوا في ذلك : فمنهم من قال : معناها : أنّ المثل مضروب بتشبيه الكافر بالنّاعق ، ومنهم من قال : هو مضروب بتشبيه الكافر بالمنعوق به ، ومنهم من قال : هو مضروب بتشبيه داعي الكفر بالنّاعق ، ومنهم من قال : هو مضروب بتشبيه الدّاعي والكافر بالنّاعق ، والمنعوق به ، فهذه أربعة أقوال . فعلى القول الأول : يكون التقدير : « ومثل الّذين كفروا في قلّة فهمهم ، كمثل الرّعاة يكلّمون البهم والبهم لا تعقل شيئا » . وقيل : يكون التقدير : « ومثل الّذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم ، كمثل النّاعق بغنمه ؛ لا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنّه في عناء » ؛ وكذلك الكافر ليس له من دعائه آلهته إلّا العناء ؛ كما قال تعالى : إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [ فاطر : 14 ] . قال الزّمخشريّ « 1 » لمّا ذكر هذا القول : « إلّا أنّ قوله : « إلّا دعاء ونداء » ، لا يساعد عليه ؛ لأنّ الأصنام لا تسمع شيئا » . قال أبو حيّان « 2 » - رحمه اللّه - : « ولحظ الزمخشريّ في هذا القول تمام التشبيه من كلّ جهة ، فكما أنّ المنعوق به لا يسمع إلّا دعاء ونداء ، فكذلك مدعوّ الكافر من الصّنم ، والصّنم لا يسمع ، فضعف عنده هذا القول » قال : « ونحن نقول : التشبيه وقع في مطلق الدّعاء في خصوصيّات المدعوّ ، فتشبيه الكافر في دعائه الصّنم بالنّاعق بالبهيمة ، لا في خصوصيّات المنعوق به » ، وقال ابن زيد في هذا القول - أعني : قول من قال : التقدير : ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم - : إنّ الناعق هنا ليس المراد به الناعق بالبهائم ، وإنّما المراد به الصائح في جوف الجبل ، فيجيبه الصّدى ، فالمعنى : بما لا يسمع منه الناعق إلّا دعاء نفسه ، ونداءها ، فعلى هذا القول : يكون فاعل « يسمع » ضميرا عائدا على « الّذي ينعق » ويكون العائد على « ما » الرابط للصّلة بالموصول محذوفا ؛ لفهم المعنى ، تقديره : « بما لا يسمع منه » وليس فيه شرط
--> ( 1 ) ينظر الكشاف : 1 / 214 . ( 2 ) ينظر البحر المحيط : 4 / 656 .